إذاعة صوت الوطن


فلسطين وحالة "عدم اليقين" في العلاقات الدولية

الجمعة، ٣ مارس، ٢٠١٧ GMT+٠٢:٠٠ ٩:٠٥:٥٧ ص بتوقيت القدس المحتلة
فلسطين وحالة "عدم اليقين" في العلاقات الدولية

جمال الفاضي

يرى الكثير من الباحثين في حقل العلاقات الدولية، أن هناك حالة من "عدم اليقين" في شكل ومستقبل العلاقات الدولية جراء سلسلة من التطورات والمتغيرات في منظومة العلاقات بين الدول، وانعكاس ذلك على العلاقات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط التي تمر بأحد أكبر الأزمات منذ الحرب العالمية الأولى.فـــ"حالة عدم اليقين": هي حالة تعني بعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل، وهذه القدرة هي من أهم القدرات التي يجب أن تتوفر لدى الدول، لكي تتمكن من التفاعل مع المجتمع الدولي بكل أركانه. والسؤالكيف يمكن لفلسطين أن تبني لنفسها "مركزاً" في السياسة الدولية الخاضعة للتغيير، وتصبح "نقطة جذب" للمصالح العالمية الموجودة في منطقة الشرق الاوسط، والعمل بكل جدية لاعتبار أن وجود فلسطين هو أساس لحالة من الاستقرار على مستوى الإقليم والعالم.

معروف أن السياسة لها طبيعة ديناميكية، وبالتالي فهي غير مستقرة على حالة معينة، بل هي معرضة باستمرار لتغيراتدراماتيكية. وعليه وانطلاقاً من هذه النقطة، فإنه يمكن القول أن المركز الحالي لفلسطين في معادلات السياسة العالمية والإقليمية لا يمكن أن تصبح حالة مستقرة جامدة لا تتعرض إلى أي تغيير، وهنا نرى موقف الإدارة الأمريكية الجديدة المتغير مع فلسطين مقارنة بإدارة الرئيس "أوباما" السابقة،  وهو ما يفترض بالقيادة الفلسطينية أن تضع هذه الحقيقة أمام نصب أعينها،وتحاول التنسيق والملائمة مع أي تغيير يحدث في إطار السياسة العالمية المتوقع حدوثه مع وجود "ترامب" رئيساً للولايات المتحدة، والذي يحمل في جعبته رزمة من الخطوات والإجراءات والمواقف التي تهدف لتغيير شكل ومضمون ما أصبح متعارفاً عليه في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة.

تحقيق فرصة أن يكون لفلسطين مركزاً في المصالح الدولية، مرهون بكفاءة النظام السياسي الفلسطيني وامتلاكه شرط القدرة على التنبؤ المستقبلي.وتأسيساً على ذلك، يمكن الاستنتاج، أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يجعل من فرص تمتع فلسطين بمركز بالسياسة العالمية كبيرة، خصوصاً ونحن أمام عالم يسعى بكل ما يملك من أدوات السياسة والحرب على إبقاء إسرائيل في مركز آمن  أمام أي متغيرات محتملة لمنظومة العلاقات الدولية. ولكن هذا المركز وكأي ظاهرة في السياسية هو مركز غير مستقر، ويحتاج إلى توفير قدرة عالية من الكفاءة لإدامته.

 
فاستقرار مركز فلسطين سيكون متعلق بشكل جوهري بتطور الأحداث العالمية وما تحمله الإدارة الامريكية من تصورات وحلول لكافة الأزمات التي تعصف بكثير من مناطق العالم، وبالذات في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يعني أن  وجود فلسطين واستمرار مركزها مرهون بالأطراف الدولية إضافة للدول الإقليمية، مع التأكيد على أهمية عدم إهمال تأثيرات التطورات الداخلية، خاصة استمرار حالة الانقسام ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، كذلك،فإن سلسلة المؤتمرات التي عقدت خلال الأسبوعين الماضيين في كل من  طهران والقاهرة واسطنبول،أراد مدبروها وداعموها استخدام القضية الفلسطينية في الاستقطاب والنفوذ وتحسين الشروط  والمساومات، ولا يهم المؤتمرون إذا كان تدخلهم  سيؤدي الى تقسيم الشعب الفلسطيني وتكريس انقسام  حركته السياسية،وتشكيل حالة من حالات إضعاف مركز فلسطين، وهو ما يأُمل من القيادة الفلسطينية عدم إغفاله أو المرور عليه لما له من تأثيرات كبيرة على مستقبل إبقاء فلسطين مركز للمصالح العالمية، وكذلك شكل العلاقة مع إسرائيل ومدى الجدية في التوصل إلى حلول إبداعية للصراع بين الطرفين.

لاشك بأن حالة عدم اليقين التي تعيشها فلسطين هي أحد إفرازات الحالة غير المستقرة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط كمرحلة تغيير جذرية لا يمكن لفلسطين أن تكون بمنأى عنها، وأنه يجب الإدراك أن تأثيرات هذه العملية التغييرية في المنطقة، سوف تترك أثارها على مركز فلسطين، وهو ما يتطلب من القيادة الفلسطينية أن تحاول أن تكون عاملاً قوياً في أي معادلة تغييرية، وأن تتعامل بكل جدية من أجل احتواء كل مؤتمر أو فكرة حتى يصبح مركز فلسطين مركز استقرار يحظى بالاهتمام العالمي ضمن أي معادلة جديدة يتوقع صياغتها في الفترة القادمة.

فلسطين تستحق أن نحافظ على مركزها، تستحق أن نستمع لمن كان في القاهرة وطهران واسطنبول حتى وإن كان عتبنا كبيراً عليهم، بعيداً عن لغة الشجب والاستهجان أو لغة التخوين، وعلى القيادة الفلسطينية التي تحمل رأيه فلسطين أينما ذهبت، ولم تترك باباً في المجتمع الدولي إلا وطرقته من أجل فلسطين، أن يتسع صدرها وعقلها واحتمالها وأن تتوقف عند الأسباب التي دفعت لانعقاد هذه المؤتمرات، وأن  توظف كل امكانيات شعبنا أينما وجد بما يخدم قضيتنا الوطنية، وبما يعزز من "مركز فلسطين" في السياسة الإقليمية والدولية،فالحل يبدأ بتغيير حالة الضعف والترهل لمؤسساتنا، قبل أن يصبح "مركز فلسطين" ضمن أجندة استقطاب إقليمية ودولية وحالة من عدم اليقين بذاتها.

التعليقات